فخر الدين الرازي

99

تفسير الرازي

المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل . فإن قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل ؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا : كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق . المبحث الثاني : قرأ عاصم والكسائي * ( وجعل الليل ) * على صيغة الفعل ، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو قوله : * ( فالق الحب . وفالق الإصباح ) * وجاعل أيضاً اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركاً للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله : * ( والشمس والقمر ) * منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذاك إلا أن يقدر قوله : * ( وجعل ) * بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسباناً وذلك يفيد المطلوب . وأما قوله تعالى : * ( والشمس والقمر حسباناً ) * ففيه مباحث : المبحث الأول : معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله : * ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) * ( يونس : 5 ) وقال في سورة الرحمن : * ( الشمس والقمر بحسبان ) * ( الرحمن : 5 ) وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله : * ( والشمس والقمر حسباناً ) * . المبحث الثاني : في الحسبان قولان : الأول : وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني : أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان . وقال صاحب " الكشاف " : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب ، ونظيره الكفران والغفران والشكران . إذا عرفت هذا فنقول : معنى جعل الشمس والقمر حسباناً جعلهما على حساب . لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما . المبحث الثالث : قال صاحب " الكشاف " : * ( والشمس والقمر ) * قرئا بالحركات الثلاث ، فالنصب